دراسة سوسيو- ثقافية لمنطقة الجلفة


دراسة سوسيو- ثقافية لمنطقة الجلفة
الفصل الثالث / الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري
I-المؤسسة الدينية : الصالحين من أولياء الله نموذجا:
إن الحديث عن المؤسسة الدينية بالمنطقة معناه الحديث عن المساجد والرباطات والقباب والصالحين من أولياء الله وما يلحق بها من أضرحة وطقوس دينية، ومعناه بالتالي الحديث عن تاريخ الإسلام بالمنطقة، ونظرا لشساعة الموضوع وللروابط التي تجمع بين هذه المؤسسات والتي تسمح لنا بالتعرف على الواحدة انطلاقا من الأخرى، سنختزل الموضوع في الحديث عن الصالحين من أولياء الله بصفة عامة والولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم القادري بصفة خاصة لما تشكله من إرث ثقافي مهم لا زال قائما رغم مرور الزمن، ونفضل بحث هذا الموضوع ضمن المفاهيم التالية:

1- الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم:
الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم بالمفهوم الديني يعني شخصية دينية خاصة ،يشكل امتدادا لما يسمى بالمرابط أو الصالحين يعمل على تعميق الشعور الديني وبث مبادئ التصوف العلمي ، الصالحين من أولياء الله هم خاصة من طائفة من المسلمين يجتمعون مع مريديهم في مكان محدد إما زاوية أو قبة أو خيمة أو مسجد يقيمون الصلاة وقراءة القرآن والأوراد الصوفية وكان هذا النوع من الأماكن خاص يدعى في القرون الأولى ربطا أو رباطات يجمع الصالحين و المتصوفين ثم غلب اسم الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم، وتكاثر عدد الصالحين من أولياء الله بالجزائر بانتشار التصوف فيه ابتداء من القرن الهجري السادس / الثامن عشر الميلادي .
ونستشف من بعض الإشارات التاريخية أن ظهور الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم بمفهوم الإحسان يرجع إلى إطعام المحتاجين والفقراء المعوزين وقد كان معروفا بأعماله الإحسانية.
1-1 الظرفية العامة لنشوء الصالحين من أولياء الله وتطورها:
وقد ظهر الصالح ولي الله الأول بالمنطقة على يد شيخ الطريقة القادرية الذي هاجر من جبال الصحاري من الجلفة في نهاية القرن الثامن الهجري/ الثالث عشر الميلادي، ومطلع القرن التاسع الهجري/ الرابع عشر الميلادي.
1-2 دور الصالحين من أولياء الله:
يمكن رصد مجموعة أدوار متعاقبة ومتداخلة، دينية سياسية، اجتماعية علمية وثقافية للصالحين من أولياء الله، لكن ما ينبغي تبيانه هو تحول دور الصالحين من أولياء الله من ديني سياسي إلى علمي ثقافي، ولا شك أن السياسة –سياسة السعديين- هي التي فعلت ذلك عندما شعرت بالوزن الذي أصبح للصالحين من أولياء الله والنفوذ الذي أصبحوا يتمتعون به فعملت على تحويله إلى مراكز علمية لتحد من نفوذه ولتبعده عن قضايا الوطن السياسية .
2- التعريف بالولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم القادري:
تعتبر منطقة الجلفة مهد السادات الأشراف الصالحين لفترة من الزمن وأعطت إشعاعا تاريخيا، اجتماعيا وثقافيا ودينيا تمثل على الخصوص في المشعل الذي حمله الصالحين من أولياء الله المتواجدون بالمنطقة وعلى رأسهم طبعا أول قطب للصالحين من أولياء الله ، الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري بالمنطقة و ما جاورها ، وفي هذا الصدد سأتناول الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري الذي ظهر بالمنطقة والذي كغيره من الصالحين من أولياء الله الصوفية لعب دورا رئيسيا في المجال الديني والثقافي والاجتماعي والسياسي، كما سأبرز الأهمية التي يحتلها الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم.
2-1- التأسيس التاريخي:
وقد ارتبط اسم الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم باسم مربيته علية من عرش البواعيش فصار بن علية ، ثم دعي بالولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم الحسيني القادري نسبة إلى أحد أجداده الشيخ عبد القادر الجيلاني الحسني المتوفى سنة 561 هـ " ، وسمي بالولي الصالح سيدي بن علية ، وهو الاسم الذي مازال ساريا حتى يومنا هذا، ومجهوداته في إشاعة العلم كبيرة ، كما شهد له بذلك الكاتب الفرنسي ميشال ارنوا في كتابه المجلة الافيقية REVUE AFRICAINE – وكما جاء في الجزائر الأسطورة - إذ يقول فيه بما معناه :" ذهب سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم إلى بني مزاب لنشر الدين ودعوتهم للاقتناء بالسنة " وكان مشاركا في فنون العلم كالفقه والعربية والكلام والتفسير والحديث والتصوف والحكمة ، وكان مع انكبابه على علوم القوم وانتهاجه منهج الطريقة لا يخل بالعلم الظاهر تدارسا ."
الآن دعونا ننتقل للأكثر شهرة الولي على خصومهم التعساء ، في المرتفعات من جبل الصحاري ، هم الأشخاص الذين نسبوا لهذا الجبل ، والتي لها مخيمات في جنوب شرق زاغز .
سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم هو شريف ينزل نسبه في خط مستقيم من سلطان القديسين وأمير الكمال ، واللامع شيخ الإسلام وتاج العارفين محي الدين أبو محمد السيد الشيخ عبد القادر الجيلاني بن السيد موسى أبي صالح جنكي دوست بن السيد عبد الله بن السيد يحيى الزاهد بن السيد محمد بن السيد داود بن السيد موسى الثاني بن السيد عبد الله بن السيد موسى الجون بن السيد عبد الله المحض بن السيد الحسن المثنى بن الإمام الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .
فهو الشيخ الهاشمي القرشي العلوي الحنبلي السيد الشريف الصالح المشهود له والمعروف بسبط أبي عبد الله الصومعي الزاهد وكان يعرف بالجيلاني وأمه أم الخير فاطمة بنت أبي عبد الله الصومعي . سيدي جعفر بن الحسين بن محمد بن عبد القادر الجيلاني ، والذي كما نعلم ، ولد عاش وتوفي في بغداد في القرن السادس الهجري الثاني عشر الميلادي في عهد وكان مؤسس النظام الديني الذي يشمل (الإخوان) في جميع الدول الإسلامية.
جد سيدي محمد ببن الحاج ن احمد بن ابراهيم ، الذي غادر بغداد مصحوبا بثلاثة أشقاء ، في الثاني من القرن الثامن الهجري (الخامس عشر للميلاد ) ، مسافرا إلى شمال إفريقيا .
وبعد وفاة الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري خلفه أبنائه الذين كانوا أئمة عصرهم علما وعملا، مواظبين على سرد الحديث وعلومه والتفسير والتصوف وأصول الدين والحكمة، عاكفا على التدارس ، الذين اقتفوا سنن أبيهم في التزام السنة والدعوة ومحاربة البدع .
فالولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري قدم لنا نموذجا مثاليا للأولياء الصوفية الذين استطاعوا الحفاظ على الوضع في ذلك الزمن.
2-2- الدور الاجتماعي لسيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري:
تزامن ظهور الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري مع فترة متأزمة تمثلت أساسا في وجود تجزئة اجتماعية وعدم استقرار، فقد كانت القبائل تتناحر وأصبح قانون الأقوى هو السائد، فخربت البلاد وعمت الفوضى وعرقل غياب الأمن العملية الحياتية جميعها، إضافة إلى توالي الأوبئة والمجاعات، " إلا أن الشيخ الولي سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم استطاع بفضل ما كان يعرف به من صلاح وفضيلة أن يفرض نفوذه على هاته القبائل المتناحرة، وبسرعة فائقة أضحى شيوخ المنطقة وما جاورها يرحبون بدور الوساطة والتحكيم في الحروب غير المنقطعة للعروش ، هذا فضلا عن حماية المظلومين وإيواء أبناء السبيل وإطعامهم والوقوف في وجه تعسف شيوخ العروش ومكائدهم ، واختص بنشر العلم والتحريض على الجهاد ، وكان ملجأ لكل مظلوم وطالب حماية .
والمعروف أن الشيخ الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم عمل على إقامة دين الله وإطعام الطعام لوفود العرب ، ويأوي إليه المساكين والفقراء وطلبة العلم المجاورين، والمقيمين من الفقهاء والمدرسين والعباد بأهاليهم وأولادهم يأكلون ويشربون بفضل الله لا يحصون عددا
نستخلص إذن أن الشيخ الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم قام بأدوار اجتماعية هامة ساعدت على ذوبان الفوارق خاصة، وأنه وحد وجمع بين عناصر مختلفة اختلافا شديدا في العرق واللون ونمط العيش.
2- 3الإشعاع الديني والعلمي لسيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم والأولياء:
لقد كان الولي الصالح سيدي محمد ببن الحاج ن احمد بن ابراهيم القادري بإجماع الكثيرين من قدامى ومعاصرين مركزا علميا مرموقا يؤمه الطلاب من كل حدب وصوب، فقد سعى على نشر التعاليم الإسلامية في حلله الخالية من شوائب التحريف والزيغ عبر إصلاح يروم مناهضة واقع الشعوذة والتدجيل والاحتيال، وقد أهله لذلك ما اشتهر عنه من عــلم وورع وحــرص عــلى اتبــاع السنة ونــبذ الشهوات وتكريس الحياة لمجاهدة النـفس والدعـاء إلى الله وحـده، "فقد كـان قـطبا جــامـعا وغــيثا نافعا".
وقد كثر أتباع الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم وأخذ نفوذه يتسع بدءا من القرن الثالث عشر الميلادي ليعم مختلف جهات الجزائر، وذلك بفضل نشاط الدعاة الذين كانوا يبعث بهم شيوخ الطائفة من المنطقة وما جاورها بالمنطقة إلى المناطق النائية يؤسسون بها الصالحين من أولياء الله ويعملون انطلاقا منها على نشر الطريقة القادرية.
2-4 الدور السياسي لسيدي محمد بن احمد بن ابراهيم والأولياء:
"إلى جانب نشاط الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم الديني والعلمي والاجتماعي، فإنه لعب دورا سياسيا مهما يتمثل في المحافظة على الأمن والاستقرار، سواء في المناطق المجاورة أو البعيدة عنا وإقامة الهدنة بين المتنازعين وتأمين طرق التجارة والمبادلات خاصة بعد وفاة الحاكم بن حراق وخلو المنطقة من سلطة مخزنية قادرة على تأدية واجبها تجاه أهالي هذه المنطقة النائية، لذا كان السكان يلجئون إلى الشيوخ كأولياء صالحين لعقد الأوقاف والتفاوض من أجل السلم والمرعى وفي مناطق أخرى التجارة."
وفي اللحظة التي وصل فيها النوايل إلى المنطقة كان الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم القادري من أشهر الصالحين من أولياء الله بالجزائر وأوفرها طاعة ، وملك كبير يتمثل في أراضي في جهة جبل الصحاري ،مده هذا نفوذ اقتصادي لملكه لأرض كبيرة كمرعى وحرث بالإضافة إلى نفوذه الروحي كان له اثر في اتخاذ موقف متحفظ اتجاه الحاكم ، ورغم أن هذا الموقف لم يأخذ إلا بعدا دينيا إذ لم يأتي في القصص المروية له أنه يتحدث عن الحاكم ، ويقال أنه كان يرفض ذكر اسم الحاكم في خطبه وحديثه ، ولم يخطب لسلطان قط .
إذن فالولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم القادري الذي بالرغم من أن نفوذه الروحي وثروته البسيطة أدت إلى مضايقة البعض ، فإنه لم تكن له مواقف سياسية معينة، لأنه كان في موقع أقل تورطا في الصراعات السياسية الداخلية ، وبدون شك فإن الولي الصالح سيدي محمد بن الحاج بن احمد بن ابراهيم نفسه والذي وجه همه لنشر الطريقة ولبث المعرفة كان له ضلع في هذا الحياد.
3- بناية القبة وتسييرها:
كانت القبة في فترة ازدهارها تخضع إلى أنظمة وتقاليد متبعة .
هكذا يتبين أن الولي الصالح سيدي محمد بن احمد بن ابراهيم القادري يعتبر مركزا علميا مرموقا وأدى خدمة كبرى في سبيل الحفاظ على الثقافة الإسلامية بالخصوص في التراب الجزائري، وهذا ما تسجله شهادات المؤرخين الفرنسيين وبعض علماء الأنساب عند سرد قصصه .
احمد بختي الكيلاني الاستشرافي

هناك تعليقان (2):

  1. بارك الله فيك على الموضوع القيم والمميز

    ردحذف
  2. بارك الله فيك على الموضوع القيم والمميز

    ردحذف